الشيخ محمد علي التسخيري

91

محاضرات في علوم القرآن

امرأة أخرى ، ولأجل ذلك نزل قوله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ « 1 » فكان السبب متعدّدا والمنزل واحد . وفي حالة تعدّد السبب قد يوجد فاصل زمني كبير بين أحد السببين والآخر فيؤدّي السبب الأول إلى نزول الآية فعلا ثم يتجدّد نزولها حينما يوجد السبب الثاني بعد ذلك بمدّة ، فيكون السبب متعدّدا والنزول متعدّدا وإن كانت الآية النازلة في المرتين واحدة ، ويقال إنّ سورة الإخلاص من هذا القبيل ؛ إذ نزلت مرّتين ، إحداهما بمكّة جوابا للمشركين من أهلها والأخرى بالمدينة جوابا لأهل الكتاب الذين جاورهم النبي صلّى اللّه عليه وآله بعد الهجرة . وكما يتعدّد السبب والنزول واحد كذلك قد يتّفق كون السبب واحدا لآيات متفرّقة . فقد روي أنّ امّ سلمة قالت للنبي صلّى اللّه عليه وآله : يا رسول اللّه ! لا أسمع اللّه ذكر النساء في الهجرة بشيء ، فنزل قوله تعالى فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ « 2 » ونزل قوله تعالى إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ « 3 » إلى آخر الآية ، فهاتان آيتان متفرّقتان نزلتا بسبب واحد أدرجت إحداهما في سورة آل عمران ، والأخرى في سورة الأحزاب ، وبذلك كان السبب في النزول واحدا وهو حديث أمّ سلمة مع النبيّ والمنزل متعدد .

--> ( 1 ) النور : 6 . ( 2 ) آل عمران : 195 . ( 3 ) الأحزاب : 35 .